جهات فرنسية نافذة وأخرى في الداخل محسوبة على العصابة طمست آثار ومخلفات أخطبوب الفساد الذي يلتهم المؤسسة

 فشلت تحقيقات بالجملة شملت أغلب مشاريع شركة المياه والتطهير سيالعلى مستوى الولايات التي تنشط بها، زادت وتيرتها في صائفة 2017، وتحديدا في الـ 6 جويلية، المدير العام السابق لـ سيالجون مارك جان، وبعد 11 سنة من توليه شؤون إدارة المؤسسة يصدر تعليمة تحمل رقم 173 مضمونها الاعتراف بوقوع سرقات لمختلف التجهيزات والمعدات داخل المؤسسة، لكن وإلى يومنا هذا لم تتوج هذه التحقيقات بأية نتائج تذكر، بحكم أن جهات نافذة في الخارج وأخرى من الداخل كانت محسوبة على العصابةحرصت وبكل دقة على طمس آثار ومخلفات أخطبوب الفساد الذي إلتهم ويواصل إلتهام سيال“.

نتائج التحقيقات التي فتحت حول مشاريع تجديد شبكات التطهير والصيانة التي تشرف عليها “سيال”، جاءت كارثية ولا تختلف عن النتائج التي توصلت إليها لجنة التحقيق في تسيير مخازن المؤسسة، عرت سوء تسيير القائمين على “سيال”، وكشفت الوضع المتعفن الذي تعرفه كل مصالح المؤسسة، لكنها لم تفلح في الإطاحة بأذرع أخطبوب الفساد الذي ما فتئ يلتهم المؤسسة، بدعم من جهات فرنسية أبرزها القائمين على الشركة الأم “سيوز”، المسنودين هم الآخرين بالرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي تدخل بشكل أو بآخر منذ جلوسه على سدة الحكم في فرنسا، من أجل تجديد عقد “سيال” في بلادنا رغم فشلها الذريع على جميع الأصعدة.

التحقيقات لم تقف إلا على الجزء الظاهر من جبل الثلج .. وما خفي كان أعظم

المدير العام السابق لمؤسسة المياه والتطهير “سيال” جون مارك جان، نصّب لجنة تحقيق ثانية في منتصف شهر أفريل 2017  ذات طابع استعجالي للتحقيق في معلومات ومراسلات سريّة وصلت إلى المديرية تفيد بأن أشخاصا ينتمون لمؤسسة “سيال” قاموا رفقة مقاولين بالنهب عن طريق التحايل والتلاعب في مشاريع تابعة للمؤسسة، وهذا الذراع الثاني  من اخطبوط الفساد الذي حوّط  بـ”سيال”، بدأت اللجنة عملية التحقيق الميداني مطلع شهر ماي 2017 ، حيث قامت بالتحقيق في 27 مشروعا قدّمته كعينة عن المشاريع المتعلقة بالصيانة والتطهير محل لٌبس على مستوى الثلاث ولايات التي تنشط بها، حقائق صادمة حملها التقرير الذي رفعته لجنة التحقيق لإدارة مؤسسة “سيال”، يؤكد بالأرقام والأدلة المادية ما ورد في المراسلات السريّة بخصوص وقوع عمليات نهب وتحايل وتلاعب في مشاريع انجزت في 2016 كانت محل تحقيق كشف عن تلاعبات متعدّدة الأوجه في مشاريع تجديد شبكات التطهير والصيانة والتي تجاوزت قيمتها حسب ما جاء في جداول المعاينة والتدقيق الواردة 21 مليار سنتيم.

هكذا تفنن فاسدو سيالوداعموهم في التلاعب بمشاريع المؤسسة ونهب المال العام

خلصت اللجنة في تقريرها بعد عملية معاينة ميدانية إلى وجود تلاعبات في طريقة منح المشاريع من قبل “سيال”، حيث تعمد جهات نافذة بإدارة مؤسسة المياه والتطهير إلى التحايل عن طريق اللجوء إلى تجزئة قيمة المشروع لتفادي إخضاعه لقانون الصفقات العمومية وتجنّب طرحه على شكل مناقصة وطنية، وذلك بتحويل صيغته القانونية لمشروع يتم منحه عن طريق استشارة بسيطة، هذه الطريقة تم اعتمادها في كل المشاريع التي أطلقتها “سيال”  في سنة 2016 والتي تفوق قيمتها المليار سنتيم، على غرار مشروع تجديد شبكة التطهير على مستوى حي 98 و110 مسكن من الطريق رقم 4 إلى الطريق رقم 1  ومن الطريق 4 إلى الطريق رقم 10 وسط مدينة القليعة بقيمة اجمالية تجاوزت ملياري سنتيم، هذا المشروع تمت تجزئته إلى ثلاثة أجزاء من اجل منحه بالتراضي لمقاولين من نفس العائلة بالنسبة للقسم الأول والثاني من المشروع، أما القسم الثالث فكان من نصيب شركة مقاولاتية أخرى، الأخطر في الموضوع، أن بطاقة مراقبة المشروع المقدّمة من طرف اللجنة تفيد بوجود مشاريع أخرى مماثلة أنجزت في نفس المنطقة التي أقيم بها المشروع الجديد.

 مقاولون باشروا عملهم بوثيقة أمر بمعاينة المشروع بدلا من وثيقة الأمر ببداية اللأشغال ” ODS”

تبيّن للجنة التحقيق أن كل مشاريع الصيانة والتطهير التي تم انجازها من قبل “سيال” باشر المقاولون الأشغال فيها بالإعتماد على وثيقة أمر بمعاينة المشروع والتي تمنح للمقاول لدراسة أجزاء المشروع ميدانيا، هذه الوثيقة تم استعمالها كبديل عن وثيقة الأمر ببداية اللأشغال ” ODS” من أجل الانطلاق في المشروع واستغلالها في المصادقة على الفواتير، خلال تدقيقنا في التقرير المعّد من قبل لجنة التحقيق في المشاريع التي أنجزتها “سيال” بالعاصمة وتيبازة، اتضح لنا أن كل تلك المشاريع حرّرت من أجلها أوامر ببداية الأشغال تحمل كلها أرقام المشاريع وقيمتها المالية، ولكنها لم تسلّم للمقاولين من طرف الجهة صاحبة المشروع، ومع ذلك انطلقت الشركات المقاولاتية في أشغال الانجاز باستعمال وثائق أمر بالمعاينة، وهو ما سهّل التلاعب في طبيعة تلك المشاريع.

مشاريع تجديد شبكات التطهير على الورق تتحول في الواقع إلى مشاريع لتوسيع هذه الشبكات

هذا وكانت المشاريع التي كلفت بها “سيال ” الشركات المقاولاتية في الأصل عبارة عن مشاريع لتجديد شبكات التطهير، ولكن تبيّن بعد معاينة اللجنة للأشغال ميدانيا أن ما تم انجازه هو توسيع لشبكات التطهير وليس عملية تجديد لها، حسب ما أوردته لجنة التحقيق في تقريرها، عديد المواقع التابعة لـ “سيال ” تم التلاعب بطبيعة المشاريع فيها، على غرار مشروع تجديد شبكة التطهير بالحطاطبة في القليعة، أين استفادت الشركة المقاولاتية من المشروع على أساس تجديد الشبكة، ولكن المعاينة الميدانية اثبت أن الأشغال كانت عبارة عن توسيع في شبكة التطهير، نفس الشيء عرفته مشاريع مشابهة بكل من باب الوادي، باش جراح  بالعاصمة، وأخرى بحمر العين،شرشال ووسط مدينة تيبازة.

التلاعبات بطريقة تسديد فواتير الشركات المناولة من الباطن .. حدث ولا حرج

تحايل وتلاعب في طبيعة الأشغال، تضخيم للفواتير وتبديد للمال العام، تجاوزات سجّلتها اللجنة بعد المعاينة الميدانية للعديد من المشاريع التي منحتها “سيال” للشركات المناولة من الباطن، حيث حمل تقرير اللجنة جملة من الاحترازات حول طريقة تسديد فواتير الشركات المناولة من الباطن، اذ تبيّن أن الكثير من الفواتير لا تستوفي  الشروط القانونية من اجل  المخالصة على غرار وجود فواتير تم دفع مستحقاتها رغم أنها تحمل فقط أختام المصلحة المكلفة بمتابعة المشروع دون إمضاء رئيس المركز، كما هو الحال  بالنسبة لمشروع  تجديد شبكة التطهير بموقع حاج يعقوب في بابا حسن غرب العاصمة الذي تمت فوترته من قبل المقاول ومخالصته بدون إمضاء رئيس المركز، وفق ما جاء في الجدول التوضيحي للمشروع  الوارد في التقرير.

التحايل أخذ أوجها مختلفة في عملية فوترة أشغال المشاريع التي منحتها سياللشركات مقاولاتية

التحايل اخذ أوجها وأشكالا مختلفة في عملية  فوترة أشغال المشاريع التي منحتها “سيال” لشركات مقاولاتية والتي كانت محل تحقيق، فبالإضافة إلى مخالصة فواتير لا تستوفي الشروط القانونية، اكتشفت اللجنة أن هناك مشاريع تمت فوترة أشغالها كانت منجزة من قبل، حيث قامت شركات مقاولاتية بتضخيم الفواتير عن طريق فوترة مشاريع موجودة مسبقا، ما يؤكد وقوع عمليات سرقة “موصوفة” مثل ما حدث في مشروع تجديد شبكة التطهير على مستوى حي 110 مسكن بالحامدية الداموس ولاية تيبازة، والذي تبين  للجنة من معاينته وجود توصيلين موجودين من قبل ولكن تمت فوترتهما على أساس أنها أشغال منجزة حديثا، كما تمت فوترة مشاريع لا وجود لها أصلا ولم تنجز ميدانيا مع أنها تدخل ضمن الأشغال المطلوبة من المقاولين، على غرار ما وقفت عليه اللجنة بمشروع تجديد البالوعات على مستوى منطقة سعيد حمدين ببئر مراد رايس في العاصمة /أين كشفت المعاينة أن المقاول قام بفوترة بالوعات لم تنجز، كما وجدت اللجنة صعوبات في تحديد أمكنة البالوعات في مشروع آخر على مستوى منطقة ليفارجي ببئر خادم في العاصمة، تبين أن إحداها مكسّرة وأخرى لا وجود لها.

أما فيما يخص تجديد شبكة التطهير بمنطقة حاج يعقوب ببابا حسن، تبيّن أن الشركة المقاولاتية التي حصلت على المشروع قد فوترت 25 توصيلا، فيما اتضح من عملية المراقبة وجود 21 توصيلا لشبكة التطهير فقط واحد منها مهترئ ولا يصلح للاستعمال.

حالة التسيّب في التسيير والتلاعب في مشاريع “سيال” قادتنا إلى فضيحة أخرى من العيار الثقيل وقفت عليها اللجنة خلال معاينتها للمشاريع التي منحتها شركة “سيال” للمقاولين في إطار أشغال تجديد شبكات التطهير والصيانة، حيث كشف التقرير عن تجاوزات خطيرة قام بها إطارات وموظفون بمؤسسة المياه والتطهير”سيال” من خلال  التلاعب في طريقة منح المشاريع وكذا فوترتها عن طريق استغلال الوظيفة، هذا وتشير الوثائق بحوزتنا، أن المدعو بن راحم محمد والذي يشغل منصب رئيس مركز أشغال تابع لمؤسسة “سيال”، يملك شركة مقاولات تحمل اسم ETCHGC “او.تي.اش.جي.سي”  استفادت من مشاريع في مجال النقل والتوصيلات وأشغال أخرى في الفترة ما بين 2012 و2016 بقيمة 5 ملايير سنتيم.

في مشهد لا يقل خطورة عن الاوّل، استغل موظفون آخرون بشركة “سيال” مناصبهم من أجل تسوية فواتير أشغال أنجزتها شركات مناولة من الباطن مملوكة لأقاربهم، كما هو عليه الحال في مشروع تجديد البالوعات على مستوى منطقة سعيد حمدين ببئر مراد رايس في العاصمة، والمنجز من قبل شركة ETB TCB SUD  المملوكة للمدعوة “سليج وسيلة”، حيث تبين أن كل وثائق هذا المشروع مؤشر عليها من طرف مكلف بمراقبة الأشغال تابع  لمقاطعة باب الوادي يحمل اسم “سلّيج” عن طريق استخدام أختام وإمضاءات لمصلحة غير معنية بالمشروع، وذلك بهدف التأشير على الفواتير وقبض مستحاقتها.

هذا الوضع الذي آلت إليه شركة “سيال” إذا اعتبرناه نتاج لسوء تقدير أصحاب القرار في الجزائر بمنح تسيير قطاع المياه للشركة الفرنسية “سيوز” سنة 2006، فإنه لا يخرج عن إطار كونه صفقة أبرمت بين جهات نافذة في السلطة الجزائرية وجهات مؤطرة في السياسة الفرنسية، ليبقى التساؤل المطروح، هل هذا هو الاستثمار الذي  يدافع عنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ويسعى لتطويره والرفع من حجمه في الجزائر؟ .. يتبع.

هارون.ر