الرئيسية | الثـقـافـي | دروس من المقاومة في فلسطين إلى الربيع العربي

دروس من المقاومة في فلسطين إلى الربيع العربي

بواسطة
 
دروس من المقاومة في فلسطين إلى الربيع العربي

مراسلة خـاصة بالسلام

من المرجّح أنّ  القرن الحادي والعشرين  سيشهد المزيد من الصراع بين اتجاه لديمقراطية محليّة وقوة شعبية حقيقية وبين اتجاه للعولمة العسكرية / الهيمنة الإقتصادية لعدد محدود من المستنفعين بقيادة الحركة الصهيونية، وستعتمد هذه النخبة أكثر على إثارة  نزعات متعصبة في سياق سياسة "فرق تسد"، وأعتقد أن الأول سوف يفوز في نهاية المطاف لأنّ الناس يدركون أنه إذا فاز الأخير لن يكون هناك بشر للاحتفال بهذا الفوز،ومع المحاولات لعزل فلسطين عن محيطها العربي والإسلامي خلال هذه المرحلة التاريخية والتي شملت الربيع العربي فستبقى قضية فلسطين في المركز وربما المفتاح لمستقبل أفضل في أرجاء شتى من العالم،ولنفهم ما حصل وما يمكن أن يحصل لا بد من دراسة موضوعية للتاريخ الفلسطيني والعربي، هذه الورقة القصيرة لا يمكن أن تفي بالمراد ولذلك سنكتفي بإعطاء بعض الأمثلة والدروس من حقبتين فقط في: العهد العثماني والعشرينات من القرن الماضي وثم نظرة لواقعنا ومستقبلنا. 

أمثلة من العهد العثماني

 في عام 1831 قامت الجيوش المصرية بقيادة محمد علي باحتلال فلسطين والذي عيّن نجله إبراهيم حاكمًا  عليها. قامت انتفاضة الفلاحين الفلسطينيين على نمط  ثورات سبقت ضد العثمانيين عام 1808 وعام 1826. في 19 أيار 1834 قال وجهاء المدن والقرويون والبدو للمسؤولين المصريين في نابلس والقدس والخليل بأنّهم لن يوفّروا الحصص المطلوبة من المجندين. أعقب هذا العمل من المقاومة الشعبية ضد التجنيد الإجباري مظاهرات في منطقة الخليل حيث قام سكان قرية سعير وأهل المدينة بقتل 25 جنديًّا مصريًّا واعتقال الحاكم. انتشرت نار الثورة في جميع أنحاء الريف الفلسطيني، وكان الثمن باهظاً حيث تم نقل الآلاف من الفلسطينيين عن طريق البحر إلى مصر من أجل التجنيد القسري وقُتل المئات وتمّ زج البعض الآخر  في السجون وتمّ تدمير الجزء المسلم من مدينة بيت لحم،وبضعف الحكم المصري جاء نجاح الانتفاضة وعادت المحافظات تحت الحكم العثماني  عام 1840. وربما كان الأهم من ذلك للمستقبل هو أنّ الانتفاضة أشعلت الحس القومي وقدّمت نموذجًا للنشاط السياسي الذاتي والمقاومة التي تردّد صداها لعقود مقبلة.

بدأت نشاطات القومية العربية ومقاومة الصهيونية منذ عام 1868 مع تأسيس جمعية سرية سميت بـ (الجمعية السورية)  ومقرّها  دمشق.  وقد ضمّت أعضاء من جميع أنحاء بلاد الشام (سورية الكبرى وتشمل فلسطين) مع شعار "تنبهوا واستيقظوا يا عرب". ونمت مثل هذه المنظمات مع بدء تدفّق الصهاينة وازدياد التوتر بين المواطنين الأصليين والصهاينة والحكام العثمانيين.

 توسّع الوعي الوطني العربي وتبلّور في شكل منظمات سريّة مثل القحطانية التي تأسّست  عام 1909 على يد مجموعة من الضباط العسكريين والمدنيين العرب برئاسة عزيز علي العمصري والتي "نادت بازدواجية الإمبراطورية لتصبح عربية تركية، كالنظام النمساوي الهنغاري؛ وكذلك  تبلورت جماعات أخرى مثل الجمعية العربية الفتاة  التي تأسّست  عام 1911 في باريس من قبل الطلاب العرب، حيث تم نقلها إلى بيروت عام 1913، ومن ثم إلى دمشق في 1914 ،  والتي دعت إلى الاستقلال العربي من أيّة سيطرة أجنبية... وجمعية العهد، التي تأسّست عام 1914 بعد انحلال الجمعية القحطانية بسبب اكتشاف عميل داخلها، وتتألّف جمعية العهد من ضباط الجيش العربي واثنين من المدنيين، وتتبع برنامجا مشابهاً لسابقتها"، أسّست الجمعية العربيّة الفتاة على يد عوني عبد الهادي وجميل مردم ورفيق التميمي وغيرهم. وبعد بعض عمليات التسلّل وتعذيب أحد أعضائها أسّست منظمة أو جمعية سرية مشتقة تدعى بجمعية العهد،  وتم تأسيس جمعية الإخاء العربي الأولى في اسطنبول  عام 1908 حيث ضمّت فلسطينيين مثل شكري الحسيني. وفي العام الذي تلا ذلك، تم تأسيس المنتدى العربي، الذي ضم فلسطينيين و الذي دعا إلى تطبيق اللامركزية.

في هذه الفترة نقلت الحركة الصهيونية مقرَّها إلى لندن لأنها فشلت مع الحكومة العثمانية. وكان السبب الرئيسي للفشل هو المقاومة الشعبية الفلسطينية.

دروس من العشرينات

خطّطت الامبراطورية البريطانية إلى تقسيم العالم العربي مع فرنسا كما جاء في معاهدة سايكس بيكو لعام 1916،  وقام الحكام البريطانيون بإنشاء ممالك صغيرة خاضعة لمصالحها الامبريالية ولتأمين مستقبل الصهيونية، مثلًا تم تعيين عائلة آل سعود لتكون المسؤولة عن منطقة الحجاز التي كانت ستصبح المملكة العربية السعودية على حساب الهاشميين الذين تمّت مراضاتهم من خلال إعطائهم الحكم في مناطق شمال الجزيرة العربية (وهي بلاد الشام أو سورية الكبرى). كان هؤلاء الحكام مستعدين لفعل ما تطلبه بريطانيا العظمى منهم في ما يخصّ فلسطين. وردّ عبد العزيز آل سعود على الطلبات البريطانية من خلال كتابته وبخط يده  عام 1915: "أنا  السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود أقرُّ وأعترف ألف مرة للسير بيرسي كوكس ممثل بريطانيا العظمى بأنّه ليس لدي أي إعتراض بإعطاء فلسطين لليهود الفقراء أو لغيرهم كما رأته من قبل بريطانيا العظمى ولن أخرج عن طاعة بريطانيا حتى قيام الساعة".

وصرّح اللورد بلفور في مذكّرة خاصّة كتبها إلى الّلورد كيرزون (الذي عارض الصّهيونيّة  في البداية( في11 آب من عام 1919 ( بالنسبة لفلسطين لا ننوي اللجوء حتى إلى شكلية التشاور لمعرفة رغبات السكان المحليين... إذ أن القوى الأربعة الكبرى ملتزمة بالصهيونية، والصهيونية سواء أكانت صحيحة أو خاطئة، جيدة أو سيئة، فهي راسخة في تقليد منذ زمن بعيد وفي احتياجات حاضرية وآمال مستقبليّة ذات أهمية أعمق من رغبات وأهواء الـ 700،000 عربي الذين يسكنون حاليًّا هذه الأرض القديمة)،  لم تأت هذه النظرة فجأ ، إذ انتقل الزعيم الصهيوني الناشط والمؤثّر حاييم وايزمن إلى لندن  عام 1904 بعد فشله في الحصول على الدعم العثماني (لأسباب لها علاقة بمقاومة الشعب الفلسطيني).

وعندما عاد الملك فيصل من باريس إلى دمشق عام 1919  كان الجو العام مشحونا بالثورة،اقترح مندوبون عن حزب الاستقلال العربى انتخاب جمعيّة وطنيّة وإعلان الاستقلال في سوريا العربية المتحدة (والتي تضم فلسطين وشرق الأردن ، والعراق، ولبنان المستقلة ذاتياً آنذاك)، ووقعت اشتباكات مع القوات الفرنسية وتصاعدت  الاشتباكات بعد إعلان المؤتمر السوري العام تعيين فيصل ملكًا على سوريا في 8 آذار/مارس عام 1920، وأقلقت دولَ الحلفاء انتشارُ مظاهرات مؤيدة عاصفة في القدس. وتبع ذلك تتويج الشعب العراقي عبد الله شقيق فيصل ملكا على العراق. وقد جعلت  هذه الأحداث دولَ الحلفاء تدعو إلى عقد مؤتمر في سان ريمو في 25 نيسان/أبريل عام 1920 لمناقشة وضع خطة لتدمير هذه العلامات المبكّرة للاستقلال بين العرب وإعادة تأكيد التزام فرنسا وبريطانيا باتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور.

أمّا موسى كاظم الحسيني فقد قدّم استقالته من منصب رئيس بلدية القدس رافضًا أن يقبل تنفيذ إملاءات الاحتلال البريطاني وعُيّن راغب النشاشيبي مكانه  عام 1920 وهذا ساعد في تعميق الصدع القائم بين العائلتين الكبيرتين في القدس والبلاد ( النشاشيبي والحسيني)،كان  النشاشيبي يؤمن  بسياسة خذ وطالب - الأخذ والعطاء مع الانتداب،أما  مجموعة الحسيني فكانت تؤمن بالمقاومة والرفض. هيأت هذه الأمور إلى إندلاع إنتفاضة 1920/1921 والتي قمعتها السلطات البريطانية. ولكن قامت الحكومة البريطانية بنشر "الكتاب الأبيض" في تشرين الأول/أكتوبر عام 1921 لمحاولة إرضاء بعض المطالب الشعبية. هنا بدأ نمط ثورات شعبية يمتصها المحتل أو القوى العظمى بإرضاء بعض مطالبها.

وشهدت الفترة ما بين الأعوام 1923-1928 تقشّفًا كبيرًا وإضعافا للحركة الوطنية الفلسطينية. وقللت اللجنة  التنفيذية  للمؤتمر العربي الفلسطيني من مطالبها من البريطانيين وخفّضت توقعاتها، بدلًا من التركيز على الاستقلال فقد أصبح التركيز على التمثيل، وبدلا من رفض المهاجرين اليهود الجدد، فقد دعت إلى نظام التمثيل النسبي الذي يضمُّ كلًّا من الأفراد الأصليّين وغير الأصليين. وكان  الوضع  الفلسطيني السّيّئ جدًّا واضحًا في المؤتمر العربي الفلسطيني السابع الذي عُقد في مدينة القدس بين 20-27 حزيران/يونيو عام 1928.  حضره 250  مندوبًا من كل الاتّجاهات: مصالح عشائريّة وأسر متنافسة، منهم الوطنيون ومنهم المتعاونون، مَن قاوموا استعمار الأراضي ومن كانوا يبيعونها، وقد تمّ توسيع اللجنة التنفيذية لتشمل 48 عضوًا (36 من المسلمين و12 من المسيحيين) من أجل إرضاء مختلف المناطق والطوائف والاتجاهات لتكوين قيادة مجزّأة وضعيفة،ولم تعد المطالب تشمل  إنهاء الاحتلال البريطاني أو إلغاء وعد بلفور ولكنها ركّزت بشكل كبير على المطالب "المعتدلة" بما في ذلك توظيف الفلسطينيين والاعتراض على منح الحكومة البريطانية امتيازات للشركات الصهيونية، وطالب مؤتمر اقتصادي عُقد  عام 1923 في مدينة القدس بتخفيض الضرائب وتقديم الدعم للمزارعين وطالب بغرس الأشجار وما شابه ذلك، واستمرّ الضعف حتّى أنّه أصبح يُمارس ذاتيًّا حيث واصلت  الأسر الفلسطينية مثل الحسيني  والنشاشيبي تكثيف المنافسة وأحيانا الاقتراب من السياسات البريطانية من أجل إحباط محاولات الآخرين للمطالبة بالقيادة، وبدا أنّ عصر العرائض والشكاوى والمظاهرات والمقاطعة المقيّدة وصل إلى نهايته. نجاحات صغيرة سُجّلت قبل عام  1929 من التكتيكات المدنية في وجه تنفيذ المشروع الصهيوني، ولكن كانت مكائد الحكومة البريطانية قادرة على إحباط جهود المقاومة وتكثيف الانقسامات بين السكان المحليّين إلى أن حصلت هبة البراق 1929 وغيّرت موازين القوى.

في نفس الفترة كان في الهند رجلٌ مسلمٌ اسمه عبد الغفار خان من زملاء مهاتما غاندي قد أنشأ "جيشًا" من عشرات الآلاف من المسلمين المقاومين في بيشاور في الهند. كانوا يرتدون زيًّا فريدًا من نوعه و منضبطين ووسائلهم غير عنيفة مطلقا.  في واحدة من المظاهرات السّلميّة التي نظّمها خان لمقاومة الإنجليز فتحت  القوات البريطانية النّار عليهم مما أسفر عن مقتل المئات منهم.

في  نوفمبر من عام  1918 طلب سعد زغلول وقادة القيادة الشعبية المصرية من قوات الاحتلال البريطاني السماح  لهم  بإنشاء قيادة مصرية للشعب المصري والتمهيد للاستقلال. عندما رُفض طلبهم قام هؤلاء القادة بجمع أكثر من مليوني توقيع حيث أُقِرّت قيادة جديدة رغم رفض الاحتلال. وردّت بريطانيا بالقبض على هؤلاء القادة مما أدّى إلى اضرابات عامة ومظاهرات،   وقد وقعت الاضطرابات  عام 1919 وتصاعدت واستمرّت حتّى عام 1922 عندما سمح البريطانيون بتشكيل حكومة مصريّة وإنْ كان يحكمها ملكٌ خاضعٌ للمصالح البريطانية، أدى النجاح الجزئي في مصر إلى تشجيع شعبنا الفلسطيني في هبة 1920-1921والعكس صحيح.

بالمثال قامت هبه في العراق بعد أن وقّع متعاملون عراقيون عام 1948 صفقاتٍ سريّةً مع الحكومة البريطانية لإقامة قواعدَ عسكريّةٍ مستديمة على أرض العراق. تسرّبت المعلومات إلى الجماهير مما أدّى إلى مظاهرات حاشدة وفي يوم واحد (26 يناير 1948 ) قتل أكثر من 100 عراقي بالرصاص في مظاهرات سلميّة في بغداد. ولكن المظاهرات نجحت في تخريب الاتفاقيات وعوّضت الحكومة ذلك عن طريق المزيد من الصلاحيات الديكتاتورية لمنع عودة هذه الاضطرابات الشعبيه. وهذا يعطينا مثالًا آخر عمّا يحصل من إنجازات ومحاولات إستيعاب للإنتفاضات العربية.

... يتبــــع 

 

 

1 مشاهدة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

اخر الاخبار

قيم هذا المقال

0