الرئيسية | الشاهد | قراءة في أوراق ثقافية

العدد:15من مجلة بونة للبحوث والدراسات

قراءة في أوراق ثقافية

بواسطة
 
قراءة في أوراق ثقافية

تعنى مجلة بونة للبحوث والدراسات بالأبحاث والدراسات التراثية والأدبية واللغوية، و تصدر عن مؤسسة بونة للنشر والتوزيع بعنابة – الجزائر،  وهي مجلة دورية محكمة   تصـدر مرتين في السنة.

تناول في الشق الأول من ورقته: حياته. وأما في شقها الثاني، فتحدث عن مصنّفاته، و تناول بالخصوص، كتابه: « تاريخ الصلات بين الهند والبلاد العربية» بالتعريف والتحليل، هذا الكتاب الذي يعد من أهم المصنّفات التي تحدّثت عن العلاقات الثقافية، والفكرية، والسياسية، والتجارية بين الهند والبلاد العربية على مرّ العصور. بذل المؤلف جهوداً كبيرة في تأليفه، فقد عكف على قراءة كتب التاريخ والأدب، والفلسفة، والحضارة في أربع لغات هي: الأردية، والعربية، والفارسية، والإنجليزية. ليجمع مادة كافية لأداء هذه المهمة الشاقة...لأن هذا العمل يعد أول محاولة في اللغة العربية، والأردية، واللغات الأجنبية...

وقد استعرض الدكتور سعد بوفلاقة في مقاله هذا أهم مضامين الكتاب  ، و تحدث عن دوافع تأليفه، ومصادره، ثم محتواه، وقيمته العلمية والتاريخية، و ختم بحثه    بالإشارة إلى القيمة التاريخية والعلمية للكتاب، حيث ذكر في هذا العنصر أن   هذا العرض الوجيز عن محتويات كتاب: تاريخ الصلات بين الهند والبلاد العربية لا يعطي سوى نظرة سطحية عن قيمته الحقيقية (التاريخية والعلمية) التي ستجعل منه مرجعاً أساسياً لتاريخ الصلات السياسية والاقتصادية والثقافية والروحية بين الهند والبلاد العربية، ويستمد هذا الكتاب قيمته وأهميته من كونه يعالج موضوعاً جديداً، فهو أول محاولة جادة «لا في اللغة العربية وحدها، بل وأيضاً في اللغة الأردية، واللغات الأجنبية التي تعالج هذا الموضوع بهذا الشكل».

فهو لا يترك مسألة من المسائل التي عالجها دون تعليل، وقد سلك في دراسته مسلك الحياد العلمي، ممّا جعل الكتاب هاماً قيّماً لا يستغني عنه أي مهتم بتاريخ الهند والبلاد العربية، خصوصاً وقد أضفى عليه المؤلف جمالاً ورونقاً بأسلوبه الممتع الشيق، حيث توخّى فيه السهولة والسلاسة الشيء الذي جعل الكتاب ذا قيمة علمية، وتاريخية، وأدبية، وهو يذكر المصادر والمراجع بكل دقة، ويتعمق في البحث مما جعل الكتاب صالحاً للجمهور والباحثين معاً.

وكتب الدكتور عاطي عبيدات من  جامعة رازي، محافظة كرمانشاه، من الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن« المقدمة الطللية: نشأتها وتطورها في الشعر العربي».

وقد أشار في ملخصه إلى أن بنية القصيدة العربية لم تكن يوماً ما، تقتصر على شكل أو نوع معين مِن المقدمات، بل تنوعت المقدمات في فضائها ولكنَّ اللوحة الفنية التي ذاع صيتها ورافقت القصيدة العربية في رحلتها، هي اللوحة الطللية التي كثُرَ استخدامها مِن قبل الشعراء الجاهليين الذين أصلّوها واقتدى الشعراء فيما بعد بهم وأخذوا يحرصون على افتتاح قصائدهم بالتقليد الفني المتوارث إلا أن   هناك بعض التيارات التي برزت  و جابهتها وحاولت إضعافها، وقد تَمثلّت في أبي نواس   ورفاقه ورغم تلك المحاولات استطاعت اجتياز التحديات إلى أن عانقت  منتصف   القرن التاسع عشر وشهدت المقدمة الطللية في هذه الفترة الطويلة ازدهاراً وانكماشاً وشَدّاً وجذباً كثيراً.

يشير الدكتور عاطي عبيدات في مستهل هذا المقال إلى محاولات الكثير من الدارسين  الوقوف أمام ظاهرة الطلل الفنية ومحاولة تأصيلها، باذلين في ذلك جهدا مشكورا ومضيفين إلى التراث الادبي لبنات خصبة ومضيئين لكثير من جوانب هذه القضية والمحاولة التي تقوم بها هذه الدراسة لا تعدو أن تكون وجهة نظر مجتهدة في تفسير هذه الظاهرة، وتعترف بجهود السابقين وتقدرها حق قدرها. ولكنّها تنبعث من الظن بأنّ مجال الدراسات الادبية يتسع لأكثر من وجهة نظر، لأنه لا يعرف التفسير الوحيد أمام قضاياه المثارة. فكل وجهات النظر حول موضوع معين تعتبر نوافذ متعددة يمكن النظر من خلالها إليه من زوايا مختلفة، تساعد على بلورته وانضاجه. ومن أهم الدراسات في هذا المجال دراسة للدكتور عبد الملك مرتاض بعنوان: «المعلقات السبع مقاربة سيمائية أنثروبولوجية لنصوصها» ودراسة للدكتور حبيب مؤنس تحت عنوان «فلسفة المكان في الشعر الجاهلي» التي ركزت على الطلل ومفهومه داخل نص القصيدة. ودراسة للدكتور يوسف خليف بعنوان « مقدمة القصيدة الجاهلية» ودراسة أخرى قام بها الدكتور محمد صادق حسن عبدالله بعنوان «خصوبة القصيدة الجاهلية» فهذه الدراسة المتواضعة التي نحن بصددها ما هي إلاّ محاولة حديثة لقراءة متأنية للمقدمة الطللية في مسيرتها الطويلة، والكشف عن منطلقات الشعراء في تناولها في العصور المختلفة، فضلاً عن تركيزنا في بيان التأثيرات والرواسب التي خلّفتها المقدمة الطللية على الأدب الفارسي وشعرائه ونحن على قناعة بأن دراسة حركة المقدمة الطللية وما آلت اليه تستوجب قراءة فاحصة أو كفاءة معرفية لتحليل أبعادها وتجلياتها.

إنَّ المقدمات الطللية تعدُ من أهم الموضوعات التي تردد في القصيدة الجاهلية، ويشكل الطلل بالنسبة لها بداية الحقبة الشعورية التي من خلالها تمر أحاسيس الشاعر وتجاربه الخاصة، وقد كان سبب اهتمام الشاعر بتلك المقدمات نتيجة للروابط الوطيدة المتصلة بإنسانية الشاعر وصراعها مع  ميولا ته وعواطفه وما يخلج في داخله من نزعات ضد مؤثرات الطبيعة القاسية والاوضاع الخاصة التي يعيشها، ولهذا فإنَّ هذه المقدمات أخذت حيزاً من حياة الانسان العربي الجاهلي لأنها تقوم أساساً على مبدأ صراع الانسان ضد الطبيعة للتقلب على هذه الحياة والبقاء فيها [حسين الحاج، 1998، ص ص54-56] عموماً فإنَّ المقدمة الطللية هي أعرق مقدمة أو استهلال أو افتتاحية شعرية في تاريخ بناء القصيدة العربية، ويلازمها الغزل في عراقته على طول تاريخه أيضا، وما سوى ذلك من المقدمات انما هو خروج وانزياح عن هذا الاصل، وتجديد للصيغ القديمة. «فانَّ المقدمة الاستهلالية في أي غرض كانت، ينبغي أن تكون اللمحة الدالة على مضمون القصيدة، والشرارة الأولى لتوصيل الشحنة الوجدانية المثيرة للمتلقي ويكون لها تكثيفها الخاص في استدرار العاطفة واستجلاب الاهتمام أو تحفيز الأذهان للإنصات والمتابعة على الاستمرار والتدرج حتى ينتهي الشاعر إلى مراده. [البياتي، 1986، 59].

 وقد توصل الباحث في الأخير إلى استنتاج مفاده، تعتبر مقدمة القصيدة العربية ظاهرة فنية نشأت مع ظهور القصيدة في العصر الجاهلي ورافقت القصيدة في رحلتها الطويلة، فالشاعر الجاهلي كما يقال لم يكن قط يصدر قصائده بالمقدمات الطللية أو غيرها،إلاّ مِن حيث إنّها   وجدانية بين المبدع والمتلقي ثم من حيث هي ضرب من التقاليد الفنية تتجلى مِن خلالها صيرورة كليهما إلى ميراث من الأعراف الشعرية المشتركة. فهذه الظاهرة لم تتخذ شكلاً واحداً بعينه، بل تنوعت صورها وأشكالها، التي أصلّها شعراء الجاهلية فعالجوا فيها مشكلات إنسانية كبرى مثل الحياة والموت والزمان والمكان ولكن أشهرها على الاطلاق التي أثارت زوبعة من النقاشات والدراسات هي المقدمة الطللية واكتسبت أهمية قصوى في الجانب الشكلي والمعنوي. وقلد شعراء صدر الاسلام  والعصر الأموي شعراء الجاهلية في كثرة التقليد وقلة الابداع، بينما شعراء العصر العباسي اختلفوا فيما بينهم، فمنهم من حافظ على معظم المقدمات الموروثة، والبعض الآخر حَوَّر الكثير مِن عناصرها البدوية، فقدم طابعاً حضارياً بدوياً، وطائفة منهم قاموا بمناهضتها وسخريتها وازدرائها كما فَعَلَ أبو نواس وغيره، واعتبروها غير ملائمة لزمانهم ومكانهم، فاستحدثوا مكانها أنواعاً جديدةً مِن الفواتح استمدوها من بيئتهم المتحضرة وحياتهم المترفة. ورغم تلك الاجراءات التي اعتبرها البعض تعسفية بحق المقدمة الطللية، لكنّها لم تفتقد بريقها ولم تنزل من صهوة جوادها واستطاعت اجتياز التحديات إلى أن عانقت منتصف القرن التاسع عشر.

..يتبع

463 مشاهدة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0