العهدة الثانية لبوتفليقة شغلت آلة نهب المال العام

إحكام لوبي الفساد متعدد الأوجه والأشكال قبضته على الجزائر على جميع الأصعدة خلال السنوات الأخيرة، ما أفرز واقع الحال المزري الذي تتخبط فيه البلاد إلى حد الآن، ليس وليد الساعة أو نتاج علاقة غير شرعية بين عصب أو قوى نافذة في بلادنا، وإنما كان هدفا خُطط له بإحكام منذ سنة 2004 أو بالأحرى مع نهاية العهدة الأولى للرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، وبداية عهدته الثانية، فترة عرفتإنعطافا خطيرا، بدأ بتحالف مشبوه لـالكيانالبوتفليقي مع جهاز DRS سابقا، وجنرالات بارزة في الجيش، تدعم بتحالف آخر أقل ما يقال عنه أنهعفنمع رجال مال وأعمال سرعان ما تحولوا إلى أباطرة تفننوا في نهب المال العام حماهم ويحميهم إلى اليوم درعالنظامالذي بدأ يضعف ويتهاوى على وقع ضربات الشعب المطالب بالتغيير الجذري.

كل شيء بدأ عندما حدث ذلك الصدام نهاية 2003 وبداية 2004 بين الرئاسة وقيادة الأركان، الأولى تصر على الذهاب إلى عهدة ثانية عكس ما إتفق عليه في كواليس الغرف المظلمة في قمة هرم السلطة، والثانية رفعت شعار “بوتفليقة يروح يروح”، وعلى ضوء ذلك إرتأى الطرف الأول ومن أجل بلوغ هدفه إلى عقد تحالفات “مشبوهة” مع جهاز DRS سابقا، ثم مع جنرالات بارزين في الجيش، وبعدها مع رجال مال وأعمال مغمورين تم خلقهم بين ليلة وضحاها بإستعمال العصا السحرية للنظام حينها، ليتشكل بذلك لوبي شرس فعل المستحيل لتجسيد العهدة الثانية لبوتفليقة، مُقابل إمتيازات “خرافية” كانت سببا رئيسيا في وصول البلاد إلى ما آلت إليه اليوم، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر إحدى الأدوات الفعالة التي وظفت لوضع اللبنة الأولى لـ “فساد محترف” في بلادنا، ألا وهي منتدى رؤساء المؤسسات FCE، الذي أنشئ سنة 2000 ليكون على شاكلة مافيا نيويورك التي تأسست بداية القرن العشرين من طرف كبرى العائلات الإيطالية في أمريكا وحملت إسم “نقابة القتل”، التي تتقاسم في كنفها كل العائلات السالفة الذكر الأدوار كل في إختصاصه ومحيطه (التهريب، الخمور، المخدرات، جمع الأموال … إلخ)، هذا التحول إن صح القول فتح المجال على مصراعيه لفساد لا حدود له نعيش حاليا كجزائريين تداعياته التي يعرفها العام والخاص.

وبناءً على ما سبق ذكره، وبعد المرور إلى العهدة الثانية بعد فرض الأمر الواقع حينها، أعطي للفساد في الجزائر بُعد آخر فأصبح متغلغلا وقويا في الداخل وذا صيت عالي في الخارج، ومع إرتفاع أسعار النفط في تلك المرحلة وبالتالي إرتفاع عائداته، عرف الفساد في بلادنا قفزة نوعية تجسدت في إطلاق مشاريع عملاقة أعطيت في الظاهر صبغة الإستثمار لكن جوهرها أو هدفها الرئيسي نهب المال العام مع وجوه فساد في الخارج، إذ فتحت السلطات مجال إستيراد السيارات خاصة، وأيضا مجال التصدير والإستيراد، الذي عرف ميلاد أقوى نظرية تحايل لنهب المال العام في الجزائر سميت بـ “نظرية إستيراد إستيراد”، التي جسدتها عصابات تشكلت منذ 2004 بإيعاز من جهات أجنبية، ليمر الفساد بذلك إلى السرعة القصوى خلال العهدة الثالثة لعبد العزيز بوتفليقة، وجرف في طريقه كسيل عنيف كل ما من شأنه أن يدر الأموال على اللوبي، وذلك دون رقيب أو حسيب، إلى أن وصلت الجزائر إلى ما هي عليه الآن.

هارون.ر