في إطار السهرات الافتراضية الرمضانية بالمسرح الجهوي بالعلمة

ما ميّز السهرات الافتراضية الرمضانية لبرنامج مكملات المشهد القرآني عبر تقنية البثْ المباشر في المسرح الجهوي بالعلمة، هو أنها جمعت نقادا وباحثين من مختلف مناطق الجزائر، ما جعلها سهرات أكاديمية رقمية تفاعلية بامتياز، على أن هذه السهرات الافتراضية الأكاديمية والفنية جمعت كذلك فاعلين من جامعات مختلف الوطن ما يجعلها تمرينا ثقافيا في تشبيك العلاقات بين مختلف اطارات جامعات الوطن، وهو الأمر الذي يسعى إليه الدكتور خلوف مفتاح بكل ما أوتي إلى ذلك من إرادة وحماس.

 أ . لخضر . بن يوسف

في عدد جديد وحصة متجددة تحت مسمى “مكملات المشهد القرآني” كان النقاش النقدي بين الباحثين عبد الرزاق علا من جامعة بوشعيب عين تموشنت، وختالة عبد الحميد من جامعة خنشلة، بتقديم الدكتور خلوف الذي قال بأنه في إطار المشهد التصويري القرآني تتضح معالم المشهد وهي تتلاصق ثم تلتحم هذه العناصر جميعها مكونة من الشكل العام للمشهد أو الوحدة الكلية التي تحتويه، وكل عنصر من عناصر البناء يحمل دلالته الخاصة التي تتنامى في انسجام مع دلالات العناصر الأخرى، بحيث يعطي الجزء دوره الفاعل في إتمام الصورة المشهدية الكلية ومن ثم يبرز من خلال المعنى العام هذا التوافق الموجود بين العناصر فتشكل العلاقة القائمة بين الجزئيات مما يترتب عليه الانسجام وتتأكد الوحدة في المشهد والصورة والجمع بين الأشكال والجزئيات والدلالات وسيلة لتحقيق الوحدة، ومتى توفر ذلك يتيح للمتلقي أن يرى الصورة والمشهد ككل للوهلة الأولى ثم يندرج نحو رؤية الجزء .

القرآن الكريم يرسم الصورة ويعرض المشهد بحيث تتوافر له جماليات التصوير والتناسق الفني في وحدة المشهد التصويري وتوزيع أجزائه في توازن دقيق محكم، فالوحدة التصويرية في القرآن الكريم تقتضي التنويع ليتم التناسق مع الجزئيات ودلالة هذا الأخير حاسمة في أن التصوير –المشهدية – عنصر أساسي هام في الخطاب القرآني وأسلوبه إذ أن التعبير لا ينتهي إلى أداء المعنى الذهني مجردا، إنما ينبض بطبيعته بصورة حية للمعاني، تختلف هذه الاختلافات الدقيقة اللطيفة حسب اختلاف الأجزاء. يتلقى القارئ للنص القرآني المشهد في حركتيه الفنية الواردة عبر العلاقات الضامة لوحدات الخطاب والتصوير الفني الجمالي القرآني الذي يؤطر وقائع الحدث والأشياء حسب أثرها وتأثرها بالأفعال وعواطف الشخصيات حسب تقاطعها مع الأفعال والأشياء واللغة حسب استجابتها لطبيعة المشهد ودلالاته والخطاب حسب الدلالة المباشرة لما يشيعه المشهد في البناء السردي العام للقصة وينسقها ويوزعها على المشهد ويعمل على إحداث التوازن بين المشاهد المتعددة وما يتعلق بها وذكر سورة الكهف كنموذج عن ذلك

ليضيف ختالة بأن اخراج المشهد القرآني بصورته المكتملة يتم بتضافر حضور الزمن في فعله المنجز ونموه داخل المشهد مع المكان الذي يعد الوعاء الحاوي للحدث ويستجلي ذلك في المشهد المكتمل في سورة وقصص سيدنا يوسف عليه السلام في إطارها السردي فمما يبرز صورة المشهد الكامل تفاعل تلك العناصر، يعني الزمان المكان والحدث والجزئيات وانصهارها في بناء نام لا يكف عن التحول والانتقال من مشهد إلى آخر مع الاحتفاظ بالصياغات التعبيرية في وحدات متجزأة تكون مجموع المشهد الكامل .

الدكتور عبد الرزاق قال بأن النص القرآني يشكل نظاما بنائيا في مشاهده المختلفة جمعا بين الجزئيات والتفاصيل والأحداث والأزمنة وإحالة الشتات إلى الوحدة يكفلها المشهد الإطار الذي تنتظم فيه العناصر السردية في وحدة تامة البناء والتكوين، تتقاسم فيها العناصر السردية أدوار الفعل والتأثير بحسب تواردها في الدفق السردي فتنكشف علاقاتها الداخلية والخارجية على نحو ظل التحليل والدراسة والمكاشفة لأن في ذلك ما يحقق الهدف والغاية الربانية وهو ما يتفرد به القرآن الكريم عن غيره من النصوص والكتب السماوية .

وأضاف الباحث عبد الرزاق، لأمر ما كانت قصة يوسف في القرآن الكريم القصة الطويلة الوحيدة التي يتتابع فيها السرد الحكائي، على وفق ما هو شائع عن مفهوم السرد والحكاية ولأمر ما كان النصّ القرآني يقدمها بقول لم يقدم غيرها بمثله (( نحن نقصّ عليك أحسن القصص )). وقال: نعم، هذه المرة الوحيدة التي ترد فيها صيغة التفضيل مضافة إلى القصص، في القرآن الكريم والبنية التصويرية الفنية والجمالية التي تبدو مهيمنة في قصة يوسف تغري التشابه الحكائي بينها وبين التصوير السينمائي المثالي بداية من رؤية يوسف لمنامه وتأويله وصراع رئيس مع زليخة والإصرار والمواجهة وانتقالات درامية عبر نشأة يوسف وكيد اخوته ورميه في الجب، وبيعه في سوق النخاسة ثم دخوله قصر كوتيفار بعدها دخوله السجن وفضاء العزلة وتمكنه فيما بعد من الحكم ولقاء الإخوة وصراعات فرعية وتشويق وإعاقة وترقّب، وذروة رئيسة وذروات فرعية وانكشاف ونهاية سعيدة وهنا نمط مثالي للسرد السينمائي. فسورة يوسف التي تحتوي ضمناً على قصة يوسف الموسومة بأنها أحسن القصص ليست قصة فحسب إذ تقع سورة يوسف في ١١١ آية ، تمتاز أنها أطول سرد قرآني لقصة من القصص فهي تأخذ حيّز سبع وتسعين آية في نسق تتابعي للأحداث ولكنه يكسر اتساقه بانتقالات داخل المشهد التصويري الواحد وداخل المشاهد التصويرية المجزأة مجتمعة، وهذه طريقة القرآن الكريم في التصوير الفني الجمالي الابداعي في صياغة طبقات القصّ وهي طريقة سينمائية بامتياز فالتحولات المكانية والزمانية والقطع المونتاجي تُمثّل، إن صح التصنيف أدوات ومكونات التصوير في آن واحد .

مضيفا أن ما يلفت النظر حقّاً في القصة اليوسفية، هو التتابع، قصة يوسف تمتلك بنية تتابعية تبدأ لحلم مسروداً وتنتهي به متحقّقاً، لأنها درس في التأويل وهي تمثيل لما هو أكبر من القصة فهي تمثيل رمزي لقصة الإنسان.

 يتبع ……