الدكتورة “مزوز بركو” رئيسة مخبر التطبيقات النفسية بجامعة باتنة 1 في حوار لـ ” السلام”:

يتعين على وزارة الصحة إنشاء خلايا إصغاء عبر الوطن

صنع، فيروس كورونا ، الحدث عبر العالم وهو الشيء الذي تعيشه الجزائر حاليا كغيرها من الدول التي تباين فيها مدى قدرة كل منها على التحكم في الوباء، الذي افتك بمنظوماتها صحيا اقتصاديا، سياسيا واجتماعيا كما اعتبره البعض حربا بيولوجية بين القوى العظمى الكبرى في العالم، وخرجت للبحث عن كيفية التصدي له.

حاورها: محمد دحماني/ عرعار عثمان  

في  الجزائر عرف هذا الوباء في ظرف وجيز تفشي معتبر بسبب الاحتكاك والحركة الديناميكية بينها وبين باقي الدول وهو الشيء الذي انعكس سلبا على المنظومة الصحية  ببلادنا، ما جعلنا  نسجل في  بداية الأزمة  حالات جاءتنا من الخارج والتي بدورها نقلت العدوى إلى المجتمع الجزائري والتي أخذت منحى تصاعديا، من حيث عدد الإصابات والوفيات إلى يومنا هذا مما انجرعنه تبعات نفسية وبسيكولوجية أثرت سلبا على الواقع المعاش للفرد الجزائري ومن هنا ارتأينا تسليط الضوء على هذا الجانب من هاته الأزمة، حيث خصت جريدة ” السلام ” حوارا  لها مع الدكتورة “مزوز بركو” رئيسة مخبر التطبيقات النفسية  بجامعة باتنة 1 في موضوع ” الكورونا وسيكولوجية الهلع والخوف من الإصابة بهذا  الوباء”.

ماهو تشريحك للواقع المعاش حاليا مع تفشي فيروس كورونا؟

تعيش، الإنسانية جمعاء وباء كورونا على جميع الأصعدة طبيا نفسيا، اجتماعيا وحتى على الصعيد الاقتصادي والسياسي، ولا تكمن خطورته فقط في بعده الصحي البيولوجي وتداعياته على جسم الإنسان بل التداعيات تمتد إلى المعاناة النفسية العميقة من وقع انتشار المرض أو الوباء في محيطه وكذا مع التناول الإعلامي وعبر الفضاءات الافتراضية المختلفة على خطورة المرض ونسبة تفشي المرض والأعداد الهائلة التي تجاوزت الآلاف من القتلى وهي في تضاعف مستمر أنهكت العالم بالانتشار، وجعلت بعض الدول تستسلم للمرض بعد عدم قدرتها على إدارة أزمة الوباء في منطقتها، وعلى الرغم من تمكن دول أخرى من احتواء الوباء وخلق استراتيجيات وقائية للحد من انتشاره إلا ان كل ذلك خلق فزعا وهلعا لدى الجميع، وخاصة بعد طلب كل الحكومات من الشعوب ان تجعل من المكوث في البيت الاستراتيجية الوقائية الوحيدة للتخلص من الوباء وحصر انتشاره.

كيف تشرحين لنا انعكاسات خبر تفشي الوباء على المواطن؟

يتقبل المواطن نبأ انتشار فيروس جديد يتسبب في موت الإنسان عند دخول جسمه والإصابة به من خلال تعرضه لنوبة الهلع والخوف والجزع وهي مكونات سيكولوجية لسلوك الإنسان أمام أي كارثة أو أزمة -أيا كان نوعها- وحين يتعلق الأمر بالحياة  – كما هو الحال أمام جانحة الكورونا- يصبح هذا السلوك مضاعفا والخوف والفزع يساير الإنسان في حياته اليومية، حيث يغلب عليه السلوك التشاؤمي ويبحث فقط عما يشبع نهمه من الحياة فيتحول إلى إنسان فاقد للأمل من خلال الأخبار التي يُصغي اليها هنا وهناك فتشتت تفكيره وتسيطر على تصرفاته وانفعالاته ويصبح غير قادر على التفكير السليم، وكذا صنف آخر وهو صنف عقلاني يعتبر الهلع عنده طبيعي لا يُجاهر كثيرا بالخوف متريث ويتسم سلوكه بالهدوء والروية، أما صنف أخر وهو الصنف اللامبالي لا يهمه لا كارثة ولا يعرف معنى الانتشار ولا يهتم للسلوكات الصحية، وعندما نحلل أسباب الهلع في فترة الأزمات والكوارث سنجده في المقام الأول مرده الى فطرة التمسك بالحياة  وهي فطرة جُبل الإنسان عليها ويسعى على امتداد سنوات عمره ان يدعوا لنفسه ولغيره بطول العمر.

والهلع لا يمس فقط المواطن كمستهلك في هذه الحياة، بل يمتد الى العاملين في قطاعات من واجبها التكفل بحالات الوباء كقطاع الصحة والأمن والنظافة، فهؤلاء العاملين في مثل هذه القطاعات الحساسة يُجهدون كثيرا ويعانون على جميع المستويات على الصعيد المهني وكذا العائلي، حيث يتوجب عليهم العمل بصورة اكبر وتقديم المساعدة في حينها وآوانها، في الوقت الذي لا يجدون فسحة للراحة أو العودة إلى حياتهم العائلية بصورة طبيعية، تزداد معاناتهم أكثر ويهلعون بصورة أكبر فقد يشكلون خطرا على العائلة من حيث إمكانية نقل الوباء الى عائلاتهم على الرغم من كل احتياطاتهم من جهة، ومن جهة أخرى التهميش الاجتماعي الذي يعاني منه أفراد أسرهم بحكم احتكاكهم بالوباء مباشرة، وهو ثقل كبير يحمله المرابطون في المستشفيات والساحات العمومية لتأمين عدم انتشار العدوى وحماية الأفراد والمجتمع على حد سواء.

في وجهة نظركم ماهي السلوكيات التي يجب انتهاجها للتصدي لفيروس “كورونا”؟

من هنا وجب اتخاذ الإجراءات الوقائية والاستعجالية في الوقت الملائم وعدم ترك الأمور تنفلت الى الحد الذي يصعب فيه التحكم في الوباء، ولا يفوتنا في هاته النقطة بالذات بالتنويه بالإجراءات الاحترازية التي أقرها رئيس الجمهورية وكثيرة هي الدراسات التي أشارت الى أهمية تقوية جهاز المناعة في التصدي لكثير من الأمراض –حتى الأمراض المميتة- ولابد من الإشارة هنا ان الجهاز المناعي للإنسان يتقوى بالغذاء الصحي من جهة ومن التفاؤل الواقعي من جهة أخرى وعليه لابد من تعزيز هذه الثانية لدى الإنسان حتى يتمكن من تجاوز المحنة والتصدي للوباء دون استسلام ودون التفريط في التهويل،  والأهم العمل على احترام الاستراتيجيات الوقائية للسلوك الصحي الآمن الذي يساعده على الشعور بأنه في أحسن الحالات والتوكل على الله في كل الأعمال لأنه ثبت فعلا أن تغذية الجانب الديني والروحي في صورته الصحيحة كثيرا ما يخلق الطمأنينة والارتياح المطلق الوحيد لمجابهة الهلع وبالتالي انخفاض الكورتيزون في الجسم ومن ثم حصر الوباء وإمكانية مقاومة الجسم له بحول الله وقوته.

في رؤيتك للوضع الراهن الذي تمر به البلاد، ماهو المقترح العلمي الذي تقدمينه لوزارة الصحة؟

بودي الإشارة إلى نقطة هامة جدا، أنه آن الآوان لخلق خلايا إصغاء (مختصون في علم النفس العيادي –علم نفس الصحة) ومتابعة علاجية على مستوى نقاط التكفل بالوباء والعمل على خلق برتوكولات علاجية نفسية لمساعدة العاملين في الميدان من جهة ونشر التوعية النفسية على مجالات واسعة عن طريق الحصص التوعوية الخاصة وتوظيف مبادئ الطب الطلائعي لمواجهة حالات الهلع ونشر الطمأنينة من خلال التركيز على الوجه الآخر لوباء كورونا وآلية التعامل معه كإنسان لك عقل ووعي وقدرة على تخطي الأزمات وهي فرصة للاستفادة من هذه الطاقات الإيجابية التي تخرجت من الجامعات الجزائرية وتوظيفها في الميدان حتى يتم التكفل بالوباء على جميع الأصعدة. ومن هذا المنطلق التحليلي والعلمي الذي قدمته لنا الدكتورة “بركو مزوز” وبين الاستراتيجيات الاستعجالية  التي وضعتها الدولة وهي تطبق فوق أرض الواقع على المستوى الوطني  للتصدي ومجابهة هذا المرض الخطير، ويظهر لنا جليا بيانات وزارة الصحة لكل الفاعلين بعدم تهويل والبلبلة واستقاء المعلومة الصحيحة من البيانات اليومية للوزارة والتي تضع بدورها المجتمع في الصورة وهذا تجنبا لإدخال المجتمع الجزائري  في دوامة الرعب والخوف، وليس بالجديد على الشعب الجزائري  الذي مر بالعديد من الأزمات وأظهر للعالم مدى وعيه وتحظره وهو الآن أيضا قادر على تجاوز هاته الأزمة التي نمر بها والحل الوحيد المتاح يملكه المواطن من خلال وعيه التام والكبير بخطورة هذا المرض وهذا ماعكسته تغريدات رئيس الجمهورية والتي تتناول في معظمها قدرة شعبنا الأبي على تجاوز مثل هكذا أزمات.