السلام” ترصد يوميات المدمنين عليها

غابت منذ قرابة الثلاثة أشهر عن المواطن التبسي أحد أكثر المشروبات شعبية واستهلاكاً حول العالم، يعشقها الصغير قبل الكبير، تتوسط كل صباح مائدة الفطور، وتغزو رائحتها الزكية البيوت والمقاهي، إنها “القهوة” أيقونة الصباح وسيدة المحلات والأكشاك، ومؤنسة الجميع فعقب قرارات الغلق لكافة الأنشطة التجارية ذات الطابع التجمعي، بسبب تفشي فيروس كوفيد-19. تحولت حياةَ العديد من التبسيين وما أكثرهم إلى كابوس حقيقي، أين عادت انعكاسات غلق المقاهي بسبب الحجر الصحي، على يومياتهم وهذا يعني بالنسبة لهم توقف الحياة الاجتماعية والمهنية والاقتصادية، خاصة المدمنون على ارتشاف القهوة في المقاهي لنكهتها المتميزة ورائحتها الخاصة، التي تختلف كلية عن تلك التي تحضر في المنازل.

 روبرتاج: مصباحي هارون

يومية ” السلام”، وفي ظل تفشي وباء كورونا أبت إلا أن تشارك قرائها الأوفياء هذه الجولة الخفيفة لترصد لهم إنطباعات المدمنين ومرتادي المقاهي، ولتستمع لآرائهم وشكاويهم نتيجة غياب سيدة المشروبات المنبِّهة

لا حديث هنا إلا عن القهوة

كانت بداية جولتنا في حدود الساعة العاشرة صباحا أين التقينا بالسيد (نوح 35 سنة موظف حر)، وفي حديثنا معه أكد “أنه اشتاق فعلا لارتشاف كوب قهوة مع الأصدقاء في إحدى المقاهي المعتادة”، يضيف قائلا “على الرغم من أني أقضي فترة الحجر الصحي وأرتشف القهوة بالمنزل، إلا أنها ومن حيث المذاق، لا يمكنها أن تكون كتلك التي تحضر في المقهى “. فيما أقر عمي صالح (63 سنة متقاعد ) بأنه يفتقد ما يُعدل مزاجه كل صباح مردداً “أعيش وضعاً لا أُحسد عليه، والأكيد أن الكثيرين يشاركوني نفس الشعور”. من جهته، يقول السيد فاتح (30 سنة موظف إداري ) ” إن الوضع الحالي صعبٌ جدا وما يزعجني في الحجر ليس البقاء في المنزل بقدر ما أفتقد إلى قهوتي الصباحية قبل الذهاب إلى العمل”. واعترف السيد محمد (46سنة موظف بدار الشباب) خلال دردشة جمعتنا به، بأن كورونا قد حرمته من نكهة ارتشاف قهوة الصباح بمقهى الحي الذي اعتاد عليه منذ سنوات، قبل الذهاب إلى العمل، مضيفا أنه قبل تفشي فيروس كوفيد-19 كان يصطحب معه كوب القهوة مرتين أو أكثر إلى مقر عمله، حتى يتسنى له شربها والتخفيف من التوتر والنرفزة، خاصة عندما يعود إلى البيت. وعبر لنا الحاج أحمد (شيخ طاعن في السن) عن حزنه العميق نتيجة غلق المقاهي، قائلا “أنا متفهم للوضع الحالي ونسأل الله أن يرفع عنا هذا البلاء… وفجأة لم نفهم سبب تغير نبرة صوته وتقاسيم وجهه، ليكمل حديثه قائلا بالحرف الواحد” لوكان كورونا هذا رجلا لأظهر نفسه وواجهني” ولا ندري إن كانت مزحة منه!، ثم تركناه ومضينا في سبيلنا .

وآخرون يمتهنون بيع القهوة خِلسة

واصلنا طريقنا باتجاه وسط المدينة الذي يعج بالمقاهي المغلقة المصطفة الواحدة تلوى الأخرى، ثم مرورا بأحد شوارع المدينة الرئيسية، وعند نهاية تقاطع الطريق، صادفنا مجموعة من الشباب أمام مقهى مُغلق في عز الحجر المطبّق على البلاد خوفاً من تفشي كورونا، والسبب من أول وهلة اكتشفته أُنوفنا وهي تتلقف رائحة زكية قبل أن يقطع تلذذها أحد الشباب وهو يستسمح منا المرور، قائلا “المعذرة أريد أنا كذلك تناول فنجان قهوة من تحت الباب” وفجأة لمحناه ينحني لأسفل الباب الحديدي للمقهى المفتوح بضع سنتيمترات خوفا من دوريات رجال الأمن، فيمسك بيد واحدة كوب القهوة الورقي ويعطي ثمنه باليد الأخرى، وينطلق فورا حاملا معه القهوة وعلامات السعادة والرضا بادية على وجهه إعتزازا بهذا الإنجاز العظيم. أحد الشباب في العشرينات من العمر أكد أنه يرتاد على المقهى المغلق منذ أسابيع حتى يظفر برشفة تنعش ذاكرته وتهدئ أعصابه، فعلى الرغم من الطوابير الطويلة المصطفة وساعات الوقوف للظفر بكوب ساخن من القهوة، إلا أن ذلك حسب قوله لن يثني من عزيمته لشرب قهوة ولو كلفه  فناء عمره كله في الانتظار.

أصحاب المقاهي يطالبون بتخفيف الحجر الصحي

من جهة أخرى، يطالب العديد من مالكي المقاهي رئيس الجمهورية السماح لهم بفتح المقاهي شريطة التقيد الصارم بالتدابير الوقائية، وتوفير كل مستلزمات الوقاية والأخذ بإلزامية التباعد الإجتماعي، وتأسف عمي رابح ( 55 سنة صاحب مقهى شعبي) عن الوضع الحالي خصوصا وأن مصدر رزقه الوحيد يربطه عقد كراء، وأضاف والحسرة تملأ قلبه “أنا على إستعداد من الآن بتطبيق التدابير الوقائية في حالة ما سمح لهم مزاولة النشاط بصفة إستثنائية”. ويعتبر صاحب مقهى آخر يمتهن الشيشة المعروفة في أوساط الشباب أن تعليق نشاط المقاهي طيلة هذه المدة يعد بالنسبة لهم إجحافا كبيرا، حيث يقول “تعد القهوة من الأساسيات التي لا يمكن مقاطعتها، بأي شكل من الأشكال، فلماذا لا تكون هناك مبادرة من الحكومة بإمكانية فتح المقاهي تحت شروط التقيد بالمقاييس الوقائية؟!”. في المقابل إلتقيا بالسيدة نادية ( 48 سنة موظفه إدارية) حيث أعربت عن تضامنها مع أصحاب المقاهي طيلة هذه الأشهر، وقالت “لدي شقيق يمتلك هو الآخر مقهى لم يمض على فتحه إلا شهرين قبل أن تأتي جائحة فيروس كورونا لتخلط حساباته”، وأضافت السيدة بأن أخوها لم يمنعه ذلك من ابتكار حل للتخفيف من تداعيات الحجر الصحي، فأصبح يقدم القهوة فقط عن طريق خدمة توصيل الطلبات وذلك خلسة وبعيدا عن أنظار الدوريات الأمنية.

أساتذة ومختصون: لا تلوموا عُشاق القهوة

لمعرفة السر الدفين وراء هذا الشغف والهيام بسيدة موائد الإفطار، اتصلنا هاتفيا بالسيد ( شفيق.ع 38 سنة طبيب نفساني)، والذي بدوره أكد بأن مدمني القهوة الشعبية يشكلون نوعا من العلاقة التفاعلية مع مرور الوقت يستحيل عليهم مفارقة رائحة القهوة الشعبية، مضيفا بأن غالبية مرتادي المقاهي لا يجدون الراحة النفسية وسعة البال إلا برشفات تهدئ الأعصاب وتلملم الشتات الذهني. ويقول الأستاذ (نصر الدين. ح) مختص بعلم الاجتماع بجامعة الشيخ العربي التبسي، أن الوضع الاستثنائي الناجم عن وباء فيروس كورونا غيَّر العديد من السلوكات الاجتماعية، التي دأب عليها التبسيون باتخاذهم للمقاهي كأماكن للالتقاء وتبادل الآراء والأفكار، فما بالك بمدمني القهوة الشعبية أين يجلسون ساعات طويلة ويشربون أكثر من كوبين على الأقل، وعلامات التعجب بادية على وجهه ولسان حاله يقول كيف لنا أن نلوم هؤلاء المساكين !؟ ” بحسب كلامه.

 وتبقى القهوة الشعبية المعدة خارج البيوت بمثابة القلب النابض للعديد من التبسيين والرقم واحد بالنسبة للمدمنين عليها، تركناهم وهو يؤمنون بأن هذه الأزمة، مهما طالت أو قصرت ستنفرج يوما ما، لتدبّ الحياة من جديد في الشوارع والمقاهي وتعود كما عهدوها في السابق ” أيام زمان”.

مصباحي هارون