الكاتب فرانكو جزائري “مراد بيال” لـ “السلام”:

بيال مراد مواطن فرانكو جزائري إن صح القول رغم أنه لا يحبذ هذا الوصف.. من أب فرنسي الأصل ألماني الجذور نيكولا وأم جزائرية، والده أعلن إسلامه صغيرا وانضم للمجاهدين أثناء الثورة الجزائرية بقي في الجزائر بعد الاستقلال وكان من أول من تحصل على الجنسية الجزائرية اعترافا بخدماته للثورة وللجزائر..مستواه الجامعي قسم آداب، مولود بغرب الجزائر بالتحديد ولاية غليزان سنة 1964 محل الإقامة سابقا بلدية الحمادنة قضى طفولته الأولى ببلدية عمي موسى من سنة 1967 حتى سنة 1978 لينتقل بعدها لبلدية الحمادنة حتى مغادرته الجزائر للاستقرار في فرنسا سنة 1998 إلى يومنا هذا.

حاوره:  لخضر. بن يوسف من

كيف بدأت الكتابة وكيف دخلت عوالمها أو من شجعك على ذلك؟

بدأت الكتابة منذ الصغر، تستطيع أن تقول في سن 10  مجرد خربشات لرغبتي في الكتابة عن الثورة الجزائرية متأثراً بتاريخ أبي ومبهورا به، أتذكر أنه مباشرة بعد أن شاهدت فيلما ثوريا “دورية نحو الشرق”،  كتبت رواية قصيرة تحكي عن ظلم المستعمر وجبروته، بدأت أكتب بعض الأبيات الشعرية عن الثورة الجزائرية المظفرة، هي ليست بالشعر بالمفهوم التقليدي للشعر، لكن محاولات أوّل كتاب شعر حقيقي قرأته هو كتاب طه حسين الشعر الجاهلي، هذه كانت بدايتي.

للأدب ذاتيته وطابعه الخاص، فالمكان يلعب دوراً كبير في تشكيل ملامح الأدب ويعطيه هويته الخاصة، ما هي الملامح الشخصية التي تميز أدبك عن غيره؟

لا أستطيع الحكم على الملامح الشخصية التي يتميز بها أدبي، لأنها ببساطة خليط كبير، فقد تأثرت بثقافتين، بلدي الذي ولدت وكبرت فيها وبلد الإقامة الحالي، وأنا أكثر تأثرا بموطن الطفولة وامتداده الطبيعي شرقا، لهذا أستطيع القول أن الملامح الشخصية التي تميز أدبي تميل شرقا أكثر منها غربا… على العموم أترك للقارئ وللنقاد تحديد ملامح هذه الشخصية.

أنت في أوروبا وتحديدا فرنسا وباعتبارها أقرب إلى المركزية الثقافية الأوروبية، إلى أي مدى أثرت الثقافة الغربية على كتاباتك؟

صراحة أنا لا أرى تأثيرا كبيرا للثقافة الأوروبية عموما، والفرنسية خصوصا على كتاباتي إلاّ في حالة واحدة، هي طريقة تفكيري في معاملتي للمرأة ومدحها والتغنّي بها، يعني التأثير الوحيد هو كسر ذلك الطابو الذي يمنع الرجل الشرقي أن يقول لزوجته أحبك ويتغزل بها ويعتقد أن ذلك عيبا ونقصانا في الرجولة، رغم أنه من تمام الرجولة أن يشعر زوجته بأنّ لها مكانة في قلبه عندما يصارحها أنه يحبها ويعلن ذلك أمام الجميع… أريد كسر هذا الطابو وتحرير الرّجل من معتقد محافظ أنه حرام إعلان حبه لزوجته ولو بالإشارة، وأذكر هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلن حبه للسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، إذا هذا  ليس حراما أو ممنوعا شرعا.

من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية، ما أسباب ودوافع هذا التحول، هل تعتقد بأن هذا العصر هو عصر الرواية بلا جدال، وصارت للرواية سوقا أكبرا، أم أن لديك مبررات أخرى؟

هو ليس تحوّل بل هي رغبة وحيدة أظنها فعلا ستكون الوحيدة في المستقبل المنظور للولوج لعالم الرواية، لأني أرى نفسي شاعرا أكثر منه روائيا، وأرى أنني أستطيع نقل أفكاري بالشعر أكثر.. فعلا هو عصر الرواية هذا لا يختلف فيه اثنان وسوقها أكبر وأكثر مردودية، لكن أتوقّع عودة الشّعر للواجهة في ظرف قصير ليس بعيد وسيحتل الصدارة، كما كان في الماضي.

صدرت لك مجموعة شعرية بطبعتين، الأولى بالجزائر والثانية بمصر، موسومة بـ ظل الغزال، لماذا هذا الاختيار في العنوان وإلى ماذا يهدف من ورائه، وماهي موضوعات الديوان؟

نعم صدرت لي بطبعتين الأولى بالجزائر وتحتوي على حوالي 44 قصيدة، والطبعة الثانية بمصر تحتوي على حوالي 60 قصيدة وكلا النسختين موسومة بظل الغزال… اختياري لهذا العنوان هو عنوان تبادر إلى ذهني لحظة ما كنت أقوم بتجميع النصوص لإرسالها للنشر وكان هدفي انتقاء عنوان جذاب وهادف،  ويعبر عن متن الكتاب، فأنا أتكلم فيها عن المرأة وعن الحب والجمال من وجهة نظري الشخصية التي قد لا يوافقني عليها البعض وربّما الكثيرين،  فما أراه أنا جميل قد يراه الآخرون قبيحا والعكس صحيح، إذا الأمر نسبي قد يقع فيه الاختلاف، ففضلت أن تكون وجهة نظري تشبه الظل حتى لا يقال أنّي أحاول فرض معايير محدّدة ونهائية وفق منظوري أنا… محتوى كتابي اختصره في كلمة واحدة…الحب والجمال.

يعتبر العنوان العتبة الأولى للولوج إلى داخل النص، ومن الموجهات المهمة لدخول أي كتابة سردية، الملاحظ أنك تبتعد عن الأسماء المركبة في تسمية أعمالك، هكذا (رعب في قطار لندن ـ ظل الغزال …) ما هي الدلالات التي تحملها هذه الأسماء؟

 فعلا اختياري للعناوين السهلة غير مركبة مقصود من طرفي حتى أعطي لنفسي مساحة حرية واسعة أتحرك فيها كما أريد، بحيث لا ألتزم بسردية محدّدة لا أستطيع الخلاص منها فتعرقل حريتي، فمثلا عنوان ظل الغزال يمكن أن أتحرك كما أريد، قد تكون قصيدة حب قد تكون قصيدة ألم وأشجان، فلو اخترت مثلا عنوان عاشق الغزال سيكون عليّ الالتزام بسرد محدّد هو العشق والحب وهذا لا يساعدني صراحة..نفس الشيء بالنسبة لروايتي رعب في قطار لندن، فعندما تقرأ العنوان أول مرة تتبادر إلى ذهنك عدة احتمالات ربما تكون رواية عن جريمة قتل… ربما عن أشباح أو ربما الخيال العلمي، والحقيقة سيكتشفها القارئ عندما تصل الرواية بين يديه… لا أحب العناوين المبهمة أو المعقدة أو الطويلة لأنني أرى أنها تنقص من جمالية النص.

عمل سردي متخيل، لكن في نفس الوقت ليست جزيرة معزولة عن الواقع، إلى أي مدى عالجت أعمالك القضايا والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في وطنك الكبير (الجزائر)؟ 

بخصوص روايتي رعب في قطار لندن باختصار شديد، هي محاولة لتوضيح حقيقة الصراع بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، بين الصدق والكذب، الحب والكره، والرواية ليست محصورة أو موجهة للمجتمع بعينه، بل هي لكلّ المجتمعات وهذا من وجهة نظري طبعا التي يعبّر عنها بطل روايتي، أمّا عن ديواني الشعري ظل الغزال فقد سبق أن وضّحت الأمر…أنني أريد كسر الطابوهات.

واضح في كتاباتك … ألم الفقدان هل هو لنصفك الآخر؟ 

ليس تماما، فقط أردت من كتاباتي أن أكون صوت الحب ، أردت التكلم باسم العشاق والمحبين وأحلامهم، وأظن أنني نجحت لأن أغلب الذين تابعوني كانت تعليقاتهم وتعليقاتهن تتلخص في جملتين أو ثلاثة… أنت هذا ليس معقول…. أنت إنسان غير عادي..أنت كيف استطعت أن تنقل ما نشعر به بدقّة هل أنت ساحر لهذا أظن أنني استطعت بشكل أو بآخر أن أعبر عن دواخل الآخرين وأحلامهم وآلامهم… فحاولت أن أتقمص شخصيتهم وأعتقد أنني نجحت.

 الملاحظ أن كل أعمالك الشعرية والروائية صدرت عن دور نشر مختلفة، الجزائر، مصر، النمسا، لماذا اخترت هذا الثراء والتنوع وماهي مبرراته؟ 

لأكون صادقا معك أردت أن أصنع لنفسي اسما متداولا على أوسع نطاق ممكن، ورغبتي في أن أصنع أسلوبي الخاص.

تحقق تزاوجاً بين الشعر والسرد من خلال توليد شرياني موسيقي لما تكتب، وتعتبر رومانسياً معاصراً متأثراً برومانسي القرن التاسع عشر في أوروبا وبأدب المهجر كجبران وإيليا أبي ماضي وآل المعلوف، فماذا تقول في هذا الوصف؟ 

 مع احترامي لهذه الأسماء اللامعة والعملاقة في عالم الأدب إلا أنني أجد نفسي أميل أكثر لأدب المشرق عوضا عن أدب المهجر، و أميل بالتّحديد لعملاق شعر الغزل نزار قباني وقليلا إلى عبد الوهاب البياتي، أجدهم أقرب إليّ من باقي الأسماء التي ذكرت، هذا لا يعني أنّي لم أتأثر بهم أيضا لكن بشكل ضئيل جدا

ماهي مشاريعك القادمة؟ 

أعكف على مشروع كتاب أقوم بإعداده باقتراح من أخي الأديب طيبي رفيق صاحب دار خيال للنشر، الذي اقترح عليّ تأليفا مشتركا لكتاب يروي قصة عائلتي منذ هجرتها من فرنسا مباشرة بعد احتلال هذه الأخيرة للجزائر إلى يومنا هذا، أيضا هناك ديوان شعري قادم عنوانه ” همست لك”.

لديك كلمة أخيرة تود الإفصاح عنها، وهل مازال للكاتب قيمة في عصرنا هذا؟

في دول الغرب أكيد مازال هناك قيمة للكاتب، فمن دونه لن تجد روايات تتحوّل لأفلام ولن تجد كتابات مدرسية ولن تجد قصائد غنائية… هذا في دول الغرب، أمّا في عالمنا العربي أظن أن الكاتب مهمش ويعاني من الحقرة ومن الحصار مما أسميهم الحرس القديم الذي يخشى من الأقلام الصاعدة التي قد تزيحهم من عروشهم، أقول لهؤلاء لا تخافوا من الأقلام الصاعدة لأنكم ستبقون أنتم القدوة دائما.

كلمتي الأخيرة أقول لكبار الكتاب ساعدوا الشباب الموهوبين حتى تكونوا قدوة للأجيال القادمة، وتقدمون خدمة للأدب ولبلادنا الجزائر الحبيبة، لأّن الأديب هو من يأخذ بيد الشباب ويقدم النّصح والتوجيه وليس العكس، جزيل الشكر والتقدير لكم على هذه الجهود.