بقلم : عائشة عبيدان

كلمات جميلة كبيرة في معانيها نردّدها على ألسنتنا لأنها تفرز لنا طريقا مستقيما لاستمرارية الحياة بجمالياتها دون عواصف تلوثها وتعكر صفوها ، إنه الدعاء الذي نحمل شعاره حين تكون المصلحة الإنسانية والمجتمعية هما الهدف ” اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه”؛ خاصة من يحمل قلما ، ويعتلي منبرا ، وينشر فكرا ، ” لأنهم مسؤولون أمام الله فدولة الباطل ساعة ، ودولة الحق حتى قيام الساعة “.

لو كانت تلك مبادئنا التي تسيّرنا لما وصل حالنا الى هذا الحال من انتشار الكذب والنفاق والدجل والمراوغة وغيرها من المصطلحات اللغوية التي انتشرت كالهشيم مع تغيّر الحياة السياسية وتعقيداتها .

لذلك حين ينحرف صاحب فكر أو دعوة عن رسالته وثوابته التي يُؤْمِن بهما ويتناقض مع عمليتي المد والجذب وفقا لسياسة وطنه تبقى مصيبة ، فهل سيكون موضع صدق واقناع وتأثير، وحين يكون مواليا للحاكم أو السلطان كببغاء يردد ما يملى عليه ما فيه المصلحة السياسية فتلك طامة أكبر ، يجب الحذر منهم لأنهم يشكلون خطورة على الفكر الإنساني وخاصة، الشباب ،ولا يغيب عنا ما أفرزته لغة بعضهم من تأثير نرى نتائجه في الواقع فمع المعترك السياسي الذي نتعايش معه الآن كثر أمثال هؤلاء الذين شذوا بخطبهم وكتبهم عن القاعدة المعهودة في الدعوة التي تخاطب العقل الانساني والوجدان الانساني ، وتحفزّ على الايمان واتباع القيم والأخلاق و شرائع الله وسنن نبيه في القول والفعل والعمل لتتحول لغتهم الى أبواق تصدح بالنفاق والتمجيد والكذب والتحريض ، ولوثت كلماتها برائحة الاستبداد والباطل الذي يمارسه الحاكم في سياسته ،ونسوا أن الاسلام دين الوسط والعدالة والسلام لا إفراط ولا تفريط .

تلك ظاهرة ، انتشرت مع ما نعانيه اليوم من معتركات وتحولات سياسية حامية لا تنتهي.

لعبت بالثوابت الدينية وفق ما يريده صاحب السلطة “الحاكم” فحدث التناقض ،وليس أدل من ذلك الجدل الذي أثاره الداعية عائض القرني ؛ حول الصحوة وتبرؤه منها في حديثه لإحدى القنوات الفضائية حسب تغير هذا المفهوم في نظره من التشدد الى العلمنة والتحرر ، ومن التخلف الى التحضر ، وحسب توجهات السلطة الحاكمة بالانفتاح والتخلص من تبعات الصحوة التي بدأت في أواخر السبعينات من القرن الماضي ، والاعتذار عن العقود التي انتهجها في خدمتها ، تخللها الهجوم على دولة قطر وتركيا وإيران ليزج نفسه في الحديث السياسي وبقدرة قادر الذي لا يخلو من الافتراء والكذب تبعا لسياسة دولته ليؤكد تلك التبعية مستغفلا المشاهد والمستمع، متجاوزا المبدأ الذي يؤمن به سابقا بأن ” السياسة أفسدت عليه علمه وإصلاحه ” اليوم اختلف قوله ليصبح سيفا من سيوف الدولة في يد الملك كما ذكر في المقابلة ، فأين هو من ذلك سابقا، أين هو من قوله المتناقض عن دولة قطر التي تجوّل على أرضها زائرا مكرّما وأغدقت عليه وخرج منها مادحا ، وكما ادّعى في حديثه اليوم، قطر استغلته كما استغلت غيره من رجال الدين في التغرير بالشباب العربي، وجنّدت معارضين لضرب استقرار المنطقة ” ؛وكلما ابتعدت عن دولتك .. كلما كنت محببا اليهم ” ، تلك هي قطر في نظره ليؤكد تبعيته لسياسة ونظام وطنه ، الذي أكد بأنه سيسخر قلمه في خدمة مشروع وليّ العهد في الاعتدال ربما نسي أو تناسى سجناء الدعوة والفكر الذين شرعت بوابات السجون لاستقبالهم في عهد نظامه ، ونسي محيط الرتز الذي احتوى الأمراء ورجال المال واعتقالهم ، ونسي أطفال اليمن ونيران التحالف التي تحيط بهم ، ونسي منشار جمال الخاشقجي ، فأين كلمة الحق !! أين الإنصاف !وهل هذا هو الإسلام المعتدل الوسطي الذي يتحدث عنه، وهل الوسطية مداراة النظام والاحتماء من عقوبته، والهروب من مصير مجهول ربما سيلحقه كما لحق سلمان العودة ومحمد الطريفي وغيرهم !!

أم أنه أدرك مؤخرا أن الصحوة التي هو أحد رموزها سابقا هي مخالفة للكتاب والسنة ومحاربة الدين الوسطي المعتدل الذي أنزله رب العالمين .

أيا كان هدفه ومغزاه وأيا كان رأيه، فإن فالاعتذار أو التغيير حسب الظروف فتلك خاصيته وقناعته، إلا أن ذلك لا ينفي أنّ شاعرا وداعية وكاتبا ” كالشيخ القرني” الذي يستمتع بحديثه الكثير ويقرأ مؤلفاته الملايين “لا تحزن” نموذجا ، ويقتدي بأفكاره الكثير بأنه رسم صورة أخرى للداعية الذي افتقد صفات القدوة الصادق ، الثابت على مبادئه ، لا يخاف في الله لومة لائم ولا سلطانا جائرا أمام كلمة الحق ، صورة مشوشة بالرياء والنفاق لإرضاء السلطان دون الله.