تحتفظ بمعالم عمرها أكثر من قرن

تقع زاوية الدريعات العتيقة على بعد حوالي  10 كلم شمال شرق بلدية حمام الضلعة شمال عاصمة الولاية المسيلة، وهي الآن عبارة عن جدران وغرف متبقية شاهدة على آثار وموروث ثقافي وديني لفت طياته سنين الزمن المتعاقبة وتناسته ولم تستوف حقه من الاهتمام سواء المجالس البلدية المتعاقبة أو بعض المديريات التي قد يكون سقط من قاموسها لنسيانه أو لعدم درايتهم بالموضوع أصلا كون الحقبة قديمة.

قلمين . م

وقد تآكلت جدان زاوية الدريعات وعبثت بها مختلف العوامل الطبيعية أو اليد االبشرية التي لا تعي بالثقافة والآثار، ولم تبق سوى غرف وبنايات عتيقة تهلهلت أسقفها وتلاشت كتبها عبر الزمن ومخطوطاتها القديمة قدم التاريخ التي يرجع بعضها للقرن التاسع عشر، وهو ما وقف عليه بعض الشباب في سنوات مضت.

 فزاوية الدريعات العريقة هي احدى فروع زاوية “سيدي السعيد بن ابي داود” بأقبو وهي فرع متخصص من الزاوية الأم التي يعود تأسيسها الى سنة 1846 وتذكر المراجع أنها احدى فرعي الزاوية الام التي تأسست سنة 1450 بتاسلنت في ولاية بجاية، اما الفرع الاخر فهي زاوية “بتقة” او “ابو التقى” بولاية ببرج بوعريريج .فزاوية الدريعات كانت متخصصة في منح اجازة “مختصر خليل” وهو مختصر للمسائل المتشابهة من الفقه الاسلامي على المذهب المالكي وشهادتها تمكن مجيزها من ممارسة الفتوى والقضاء، حيث يذكر تلامذتها القدامى أنها كانت تخرج دفعة في ستة اشهر وتأسست زاوية السعيد بن أبي داوود ملحقة الدريعات، حيث تم اختيار المكان على أساس تخرج نسبة كبيرة من الطلاب بالمنطقة وحيازتهم على أفضل درجات الإجازة.

 ونظرا للإقبال الكبير والمتزايد على الزاوية أجاز الشيخ الحملاوي بفتح ملحقة بجبال قرية الدريعات الواقعة على بعد 10 كلم شمال شرق بلدية حمام الضلعة ولاية المسيلة عام 1841 وبناء على ذالك تم توجيه الطلبة المتفوقين من الزاوية الأم (تاسلنت) التي تقع بأقبو بولاية بجاية لدراسة مصنف خليل بن اسحاق في الفقه المالكي وتحصيل درجة نظار وهي درجة ثالثة في الفقه.

وذكر الدكتور “عزيزو عبد الرحمان” والدكتور “عزيزو المبروك” أن من بين المواد التي كانت تدرس آنذاك وتولى عناية خاصة هي مواد تخضع لبرنامج تعليمي مثل القرآن الكريم حفظا وتجويدا وتفسيرا الى جانب تعليم اللغة العربية (الأجرومية، الجوهر المكنون في ثلاث فنون..) كما تدرس مبادئ الحساب والفلك (اشارة)، أما بالنسبة للبرنامج التربوي فتمثل في الأوراد اليومية (ورد المصطفى المختار) الى جانب مجموعة القصائد والمدائح والأدعية الدينية وحلقات الوعظ والإرشاد.

هذا وقد لعبت زاوية الدريعات دورا فعالا في المنطقة خلال فترة عملها الفعلي في مختلف جوانب الحياة اليومية  من المعاملات التي تطبع يوميات السكان والعروش آنذاك حيث كانت تقوم بجلسات الصلح وإبرام عقود المعاملات المتعلقة بالبيع والزواج واطعام عابري السبيل والصدقات على الفقراء.

 وبالنسبة للجانب الثقافي فقد لعبت دورا أساسيا من خلال محاربة الاستعمار حيث عملت على الحفاظ على الهوية الوطنية ومقوماتها حيث حافظت على اللغة العربية وحاربت أفكار المدرسة الأهلية عام 1912 بالدريعات ” ثافاسون” هذه الأخيرة التي كانت تبث النموذج الفرنسي من خلال قصص تاريخية مغلوطة وتشوه الزوايا وتصفهم بالرجعية والتخلف.

وتعاقب الكثير من الشيوخ على زاية الدريعات والتي كان آخرها الشيخ علي بن محمد بن السعيد كريم الذي تنحدر أصوله من قرية سيدي عمر دوار الدريعات بحمام الضلعة الذي حافظ على طابع الزاوية ودورها من خلال تدريس القرآن الكريم وبعد استشهاد الشيخ محمد بن الطيب بن أبي داوود سنة 1956 في تاسلنت بأقبو تم تدمير الزاوية من طرف الاستعمار الفرنسي وأرسل رسالة الى الشيخ علي بن السعيد كريم من قبل الشيخ السعيد بن ابي داوود يبلغه بحالة الطوارىء فجمع الطلبة وخيرهم بين البعثة والدراسة في جامع الزيتونة بتونس أو التجنيد في صفوف جيش الحرير.

***مخطوطات عمرها قرن من الزمن

يجمع الكثير من سكان قرية الدريعات أن زاوية المنطقة كانت قد احتوت على العديد من المخطوطات القديمة جدا والتي قد يصل عمرها إلى قرن من الزمن بعد أن كانت عبارة عن كتب وأوراق صفراء مكدسة بين الجدران وهي ترجع لزاوية الدريعات التي يرجع تاريخ تأسيسها الى حوالي 1946 حسب الأستاذ “عزيزو عبد الرحمان”،  كما تعتبر هذه المخطوطات القديمة جدا عبارة عن علبة سوداء تترجم حقبة من الزمن كللت بالجد والاجتهاد الفكري والفقهي في المسائل الدينية أو حتى العقود والمعاملات اليومية في حياتهم العادية ومعاملاتهم من بيع وزواج وغيرها.

كما يعتبر البعض هذه المخطوطات عبارة عن ذاكرة جماعية يشترك فيها الجميع سيما أنها بمثابة أرشيف يعود لحقبة مضت من الزمن.